أبو سعد منصور بن الحسين الآبي

129

نثر الدر في المحاضرات

أتاك هذا المال حلالا ، فلا يكن عليك وبالا ، أتاك ممّن كان له جموعا منوعا ، يلجّج فيه لجج البحار ، ومفاوز القفار ، من باطل جمعه ومن حقّ منعه ، لم ينتفع به ، في حياته ، وضرّه بعد وفاته ، جمعه فأوعاه ، وشدّه فأوكاه ، إنّ يوم القيامة ليوم ذو حسرات ، وإنّ أعظم الحسرات أن ترى مالك في ميزان غيرك ذاك رجل أتاه اللّه مالا حلالا فبخل أن ينفقه في طاعة اللّه فورّثه اللّه غيره ، فأنفقه في طاعة اللّه . فيا لها حسرة لا تقال . ورحمة لا تنال ؛ فإنّا للّه وإنّا إليه راجعون . وقال ابن آدم : بع دنياك بآخرتك تربحهما جميعا ، ولا تبع آخرتك بدنياك فتخسرهما جميعا . يا بن آدم : وإذا رأيت النّاس في الخير فنافسهم فيه . وإذا رأيت الناس في الشرّ فلا تغبطهم . الثّواء قليل هاهنا ، والبقاء طويل هناك . أمّتكم آخر الأمم وأنتم آخر أمّتكم ، وقد يسرع بخياركم فما ذا تنتظرون ؟ المعاينة : فكأنّ قد . هيهات هيهات ذهبت الدنيا لحال بالها ، وبقيت الأعمال قلائد في أعناق بني آدم ، فيا لها موعظة لو وافقت قبولا ! إنّه واللّه لا أمّة بعد أمّتكم ، ولا نبيّ بعد نبيّكم ، ولا كتاب بعد كتابكم . أنتم تسوقون الناس والساعة تسوقكم ، وإنّما ينتظر بأوّلكم أن يلحق آخركم . من رأى محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم فقد رآه غاديا رائحا ، لم يضع لبنة على لبنة ولا قصبة على قصبة . رفع له علم فشمر إليه فالوحاء الوحاء والنجاء النجاء ، علام تعرّجون ؟ أتيتم وربّ الكعبة قد أسرع بخياركم وأنتم كل يوم ترذلون . فما تنتظرون ؟ إنّ اللّه بعث محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم على علم منه ، واختاره لنفسه ، وبعثه برسالته ، وأنزل عليه كتابه ، وكان خيرته من خلقه ، ورسوله إلى عباده ، ثم وضعه من الدنيا موضعا ينظر إليه أهل الأرض ، وأتاه منها قوتا وبلغة ثم قال : لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [ الأحزاب : 21 ] فرغب قوم عن عيشه ، وسخطوا ما رضي له ربّه ، فأبعدهم اللّه وأسحقهم . ابن آدم : طأ بقدمك الأرض ، فإنّها بعد قليل قبرك واعلم أنك لم تزل في هدم عمرك مذ سقطت من بطن أمّك . رحم اللّه عبدا نظر ففكر ، وفكر فاعتبر ، واعتبر فأبصر ، وأبصر فصبر ، فلقد أبصر أقوام فلم يصبروا فذهب الجزع بقلوبهم ، ولم يدركوا ما طلبوا ، ولم يرجعوا إلى ما فارقوا . يا بن آدم اذكر قوله :